طفرة الحوسبة السحابية في الشرق الأوسط
يبني الشرق الأوسط مستقبلاً اقتصادياً جديداً لا يعتمد على الطاقة وحدها، بل تدعمه البيانات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.هذه هي طفرة الحوسبة السحابية.
وفقاً لتوقعات شركة Gartner، من المتوقع أن يصل الإنفاق على تقنية المعلومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى 169 مليار دولار في عام 2026، بزيادة قدرها 8.9% مقارنة بعام 2025. كما يُتوقع أن تكون أنظمة مراكز البيانات أسرع فئات تقنية المعلومات نمواً، مع ارتفاع الإنفاق عليها بنسبة 37.3% ليقترب من 13 مليار دولار.gartner
ويضع هذا التوسع السريع المنطقة في موقع متقدم كمركز مهم للحوسبة السحابية، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ومعالجة البيانات عالية الأداء.
ما الذي يدفع هذا النمو؟
تتأثر طفرة مراكز البيانات في الشرق الأوسط بعدة عوامل رئيسية.
1. ازدهار الذكاء الاصطناعي التوليدي
ازدهار الذكاء الاصطناعي التوليدي
تحتاج تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى قدرات حوسبة ضخمة. فتدريب نماذج اللغة الكبيرة، وتشغيل المساعدات الذكية، ومعالجة مجموعات البيانات الضخمة، كلها تعتمد على بنية تحتية متقدمة تشمل وحدات معالجة الرسومات، ومسرّعات الاستدلال، والشبكات عالية السرعة، وأنظمة التبريد المتطورة.
ومع ازدياد الطلب على الذكاء الاصطناعي، تستثمر الحكومات والشركات في مراكز بيانات محلية بدلاً من الاعتماد الكامل على البنية التحتية الموجودة في أوروبا أو أمريكا الشمالية أو آسيا.
وتساعد مراكز البيانات الإقليمية على تقليل زمن الاستجابة، وتحسين أداء التطبيقات، ومنح المؤسسات تحكماً أكبر في بياناتها الحساسة.
فعلى سبيل المثال، يمكن لتطبيق يعمل بالذكاء الاصطناعي في قطاع البنوك أو الرعاية الصحية أن يقدم استجابات أسرع عندما تتم معالجة بياناته داخل المنطقة بدلاً من إرسالها إلى مركز بيانات بعيد.
2. صعود السحابة السيادية
أصبحت سيادة البيانات أولوية استراتيجية للحكومات والشركات في مختلف أنحاء المنطقة. ويشير مفهوم “إعادة توطين البيانات” أو Geopatriation إلى نقل البيانات والتطبيقات وأعباء العمل السحابية إلى دولة أو منطقة محددة. ويمكن أن يوفر ذلك للمؤسسات في الشرق الأوسط عدداً من المزايا، منها:
- تحكم أكبر في البيانات الحساسة.
- امتثال أفضل للوائح حماية البيانات المحلية.
- تقليل مخاطر الاضطرابات المرتبطة بنقل البيانات عبر الحدود.
- تعزيز السيطرة على البنية التحتية الحيوية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
- حماية أقوى للأنظمة الحكومية والمالية والصحية.
وتستثمر دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في السحابة السيادية وقدرات الذكاء الاصطناعي المحلية بهدف تقليل الاعتماد على البنية التحتية الأجنبية وتعزيز الاستقلال الرقمي.
3. وفرة الطاقة وتزايد الطلب الرقمي
تحتاج مراكز البيانات إلى كهرباء موثوقة، وأنظمة تبريد متقدمة، ومساحات واسعة. وتمنح البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط المنطقة أساساً قوياً لبناء مرافق حوسبة واسعة النطاق.
وفي الوقت نفسه، تستثمر دول المنطقة في مصادر الطاقة المتجددة، وخاصة الطاقة الشمسية. ويفتح ذلك المجال أمام دعم التوسع المستقبلي لمراكز البيانات مع الاستجابة للحاجة المتزايدة إلى تقليل استهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية.
لكن التحدي طويل الأمد يتمثل في تحقيق التوازن بين النمو الرقمي السريع والاستخدام الفعال لأنظمة التبريد والمياه والطاقة المستدامة.
أبرز التطورات الإقليمية
تتلقى عملية التحول الرقمي في المنطقة دعماً من تطورات متسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والاتصالات، والبنية التحتية السحابية.
الذكاء الاصطناعي السيادي في المقدمة
تركز الفعاليات التقنية الكبرى والمبادرات الحكومية بشكل متزايد على مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي، أي قدرة الدول على تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وتشغيلها وإدارتها باستخدام البيانات والمواهب والبنية التحتية الإقليمية.
ولا يقتصر هذا التوجه على استضافة الخدمات السحابية محلياً، بل يشمل بناء منظومات متكاملة للذكاء الاصطناعي، تتضمن:
- مراكز بيانات محلية.
- منصات سحابية إقليمية.
- مجموعات بيانات باللغة العربية.
- كوادر متخصصة في أبحاث وهندسة الذكاء الاصطناعي.
- معالجات ومسرّعات مخصصة.
- سياسات وطنية للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.
والهدف هو ضمان بقاء القدرات الأساسية للذكاء الاصطناعي متاحة وتحت سيطرة دول المنطقة.
الاستثمار في عتاد الذكاء الاصطناعي المحلي
يسهم نمو مراكز البيانات الإقليمية أيضاً في زيادة الطلب على الأجهزة والمكونات المطورة محلياً.
فقد جمعت شركة Mastiska الإماراتية المتخصصة في أشباه الموصلات تمويلاً أولياً بقيمة 10 ملايين دولار لتطوير مسرّعات استدلال مخصصة لمراكز البيانات وعتاد للذكاء الاصطناعي السيادي. وتخطط الشركة لبناء نشاط متخصص في أشباه الموصلات من الإمارات، باستخدام تقنيات مفتوحة المصدر، واستهداف عملاء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في دول مجلس التعاون وأسواق دولية أخرى.wamda
وقد تساعد هذه الاستثمارات الشرق الأوسط على الانتقال من مجرد تشغيل البنية التحتية المستوردة إلى المساهمة في تصميم الرقائق والمسرّعات التي تشغّل أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة.
مشروع الربط الإقليمي SilkLink في سوريا
يتوسع قطاع البنية التحتية الرقمية أيضاً من خلال مشاريع كبيرة في مجال الألياف البصرية والاتصالات.
وتقود شركة الاتصالات السعودية stc مشروع SilkLink في سوريا، والذي تقدر قيمته بنحو 800 مليون دولار. ويشمل المشروع إنشاء أكثر من 4,500 كيلومتر من شبكات الألياف البصرية، إلى جانب مراكز بيانات ومحطات إنزال للكابلات البحرية الدولية. ومن المتوقع أن تمتلك stc حصة تبلغ 75% من المشروع، بينما يمتلك صندوق الثروة السيادي السوري الحصة المتبقية البالغة 25%.totaltele+1
ويهدف المشروع إلى تعزيز الاتصال الرقمي في سوريا، مع إمكانية تحويل البلاد إلى ممر لنقل البيانات بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.
وإذا نُفذ المشروع بنجاح، فقد يدعم الخدمات السحابية، والتطبيقات الرقمية، وإنترنت الأشياء، وشبكات الاتصالات المتقدمة، وحركة البيانات الدولية.
ماذا ينتظر المنطقة؟
توضح الزيادة المتوقعة البالغة 37.3% في الإنفاق على أنظمة مراكز البيانات أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد مستهلك للخدمات الرقمية العالمية، بل أصبح يطور البنية التحتية اللازمة لبنائها وتشغيلها والتحكم فيها.
ومن المرجح أن تشمل المرحلة المقبلة من التحول الرقمي في المنطقة الاتجاهات التالية:
- استمرار الاستثمار في مراكز البيانات العملاقة ومراكز الحوسبة الطرفية.
- زيادة استخدام منصات السحابة السيادية.
- ارتفاع الطلب على البنية التحتية المخصصة للذكاء الاصطناعي.
- تطوير شركات إقليمية متخصصة في أشباه الموصلات ومسرّعات الحوسبة.
- توسيع شبكات الألياف البصرية والكابلات البحرية.
- زيادة التركيز على الطاقة المتجددة وأنظمة التبريد الفعالة.
- ارتفاع الطلب على مهندسي السحابة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني ومتخصصي مراكز البيانات.
وبالنسبة إلى المتخصصين في تقنية المعلومات، ومهندسي الحوسبة السحابية، وشركات التقنية، والمستثمرين، فإن الرسالة واضحة: أصبح مستقبل البنية التحتية السحابية أكثر إقليمية، ويبرز الشرق الأوسط كواحد من أهم أسواق النمو في هذا المجال.
ولن تُقاس المرحلة المقبلة من التحول الاقتصادي في المنطقة بالنفط أو البناء أو الاتصالات فقط، بل ستتحدد أيضاً من خلال المنشآت والشبكات والرقائق والبرمجيات التي تدعم الاقتصاد الرقمي العالمي.